هل تلعب حشدت دور مشتل الإصلاح؟ – أحمد الخمسي

الرأي
المحرر25 يوليو 2019آخر تحديث : منذ 4 أشهر
هل تلعب حشدت دور مشتل الإصلاح؟ – أحمد الخمسي
هل تلعب حشدت دور مشتل الإصلاح؟ – أحمد الخمسي

عندما أحترم رفيقي، الذي أختلف معه ولو بحدة، فاحترامي له ليس منة مني، بل مكون حيوي للاشتراك في الانتماء لنفس المؤسسة. فالاشتغال معا في مؤسسة عمومية و فصل الاشتباك بين الاختلاف في المناهج والبرامج وبين ذوات الأشخاص. إذا لم أتعود على احترام رفيقي الذي أختلف معه معناه أنني عملة صدئة لا تصلح لإرسال صفاء النيات والوفاء للخدمة العمومية الطوعية.

في واقع الرأي العام، لربما أصبحت صورة مدربي فرق كرة القدم الغربيين أفضل شأنا من حيث القدرة على التأطير وفق برنامج عمل وأهداف متحركة حسب وضعية الفريق. والتفضيل هنا على من يا ترى؟

التفضيل لمدربي كرة الملعب الغربيين ببساطة على القادة السياسيين في جنوب الكرة الأرضية، وشعبنا من هذا الجنوب. كتبت في مدونة على الفيسبوك من قبل “المدرب وطني والحراك ديمقراطي، فيصعد المنتخب ويسقط النظام”. كان حديثي عن منتخب الجزائر قبل وصوله إلى حيازة كأس افريقيا. وهذه الحالة تعني أن الرداءة ليست قدرا حتميا. في الكرة أو في السياسة.

ولكن النادر لا حكم له. فعندما ننتقل مباشرة من الغرب إلينا، مهما كان اللاعب حاذقا، تتجمع من حوله عوامل سلبية كالحراب، تأتيه الطعنات من كل صوب:من بنية العلاقات الاجتماعية كما لو كانت حقل ألغام، من النفسيات التواقة إلى المجد السهل عبر تلبس قناع الضحية أو الضغط بالتحكم ، من التنافسات الذاتية التي تريد كل شيء أو لا شيء، من توهم العداوة المتربصة….الخ

كما أنه انقضى زمن ركوب التحدي عبر نكران الذات والتواضع والإنصات والتراجع المنظم وتحميل الذات قسطها من المسؤولية على النتائج. بل نسينا حتى طبيعة عملنا البشري المتسم بالنقص وبارتباط الممارسة بالخطأ. انتهى زمن اقتسام المنجزات بالاعتراف المتبادل بالشراكة الفعلية بشكل من الأشكال. صارت كلمة القيم كما لو مجرد وهم. وأصبح التحليل المادي بتعقيداته مجرد مهارات خداع و”تقوليب”. وأصبح الآخر لا يزيد عن كونه خصم أبدي. وأصبحنا ونحن المجموعة المنسجمة بالأمس وكأننا قبيلة ضاربة في التاريخ. ولم يفلت التراجع العام عن السقوط في مجرد شيخ ومريد والجماعة أعيان وراءهم أعوان.

هل ننسى ضمن تربة مجتمعية لا ديمقراطية وسقف مؤسساتي تحكمي؟ والإنسان ابن بيئته. إن الديمقراطية تمرين دائم، يؤدي عدم الحفاظ على ديمومته إلى حالة جسد حزبي مترهل. لا نُنْهِي المعارك ولا ننتقل إلى لحظات البناء المشترك وهو الأصل. الاندماج الفعلي داخل المؤسسة المندمجة القائمة نتحايل عليه وننادي باندماجات مستقبلية.

علما أننا، بكل بساطة، غرقنا في تفاصيل الفيسبوك وبها عوضنا بناء الذات. الذات الفردية. لتصبح مؤهلة لتكون ذرة بسيطة في خلية مركبة في بناء حزبي جماعي نحترم فيه قواعد العمل الجماعي. لو نؤمن فعلا بما نتميز به داخل الجماعة الأكبر، لكانت الممارسة هي الرد وضمنها وأساليبها تجري وسائل الإقناع كالمياه العذبة. نعم، نتجرع النتائج التي لا تليق بما كنا ننتظر، لكنها هي أيضا مثل الدواء، مرّ نعم، مسموم أيضا، لكن فائدة المرارة والتسمم الطوعي بواسطة الدواء هو تنمية المناعة ضد الخطأ وضد المواقف التي لم تكن صالحة أو عُبِّرَ عنها بتعبير خاطئ.

والحال أن الكلام المنطوي على الطاقة السلبية أصبح هو 90 في المائة، بدل تبادل الفائدة وحسن التذوق الفني وجديد العلوم والخالد من قيم التعاون. علما أننا كثيرا ما رددنا:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده/// فلم تبق إلا صورة اللحم والدم

ومثلما مارسنا دورنا في مؤتمر المؤسسة الأصل ورجعنا إلى العيش الجماعي، مارس الشباب دورهم في مؤتمر منظمتهم حشدت وهم أدرى بما ينتظرهم من أجل البناء الجماعي. ولعل الشباب، وهذا أملنا، أن ينافسوا بقيادة منظمتهم حشدت، قيادة الحزب. فإن لمسوا، جدلا، كثرة أخطاء قيادة الحزب، فعلى قيادة حشدت – بل من حقها-إعطاء النموذج في دمقرطة الحياة الداخلية لحشدت بممارسة نموذجية. ليستحق الحزب في مؤتمره المقبل رهان خفض معدل سن قيادته. ويستحق الحزب تأنيثا أفضل.

ولنا في قيم مجتمعنا ما يشبه جمر الأمس تحت رماد اليوم:

تعاقب أيدينا ويحلم رأينا/// ونشتم بالأفعال لا بالتكلم

نعم بالممارسة نرد وليس بالتجريح. بالممارسة البناءة نتابع ربح الرهان.

فإن فرضنا جدلا أن التوجه المسيطر على قيادة الحزب توجها يقتضي الإصلاح من خلال مؤتمر حزبي مقبل، فالمفروض أن تعطي قيادة حشدت الحالية الدليل أنها ديمقراطية وبناءة ولن تمارس الإقصاء. خصوصا والإصلاح في مؤسسات الشباب أكثر قابلية للإنجاز، كما قال الشاعر:

إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت/// وليس يلينُ إذا قوّمتَهُ الخشبُ

قد ينفع الأدبُ الأحداثَ في صغرٍ/// وليس ينفع عند الشيبةِ الأدبُ

لكن، وحتى لا نركب رؤوسنا ونعتقد أن هؤلاء الكبار ليسوا سوى خشبا يابسا لم يعد لهم دور. فلهم الحق أن يشهدوا العالم على ما عانوه. عندما كانت ممارسة السياسة تعني الجحيم. خصوصا وقد مرت عليهم كل الدكاكات:

نوائب الدهر أدبتني/// وإنما يوعظ الأديبُ

قد ذقت حلوا وذقت مرّا/// كذاك عيش الفتى ضُروبُ

لم يمض بؤس ولا نعيم/// إلا ولي فيهما نصيبُ

والتحليل العلمي لم يبدأ مع الماركسية اللينينية، والراحل حسين مروة عندما وضع الأصبع على “النزعات المادية في الإسلام” لم يتحدث من فراغ. فها هو الشاعر قبل ألف عام مضت يكتب ما معناه كون الوضع الاجتماعي هو الأصل المادي  الذي منه ينبثق الوعي الاجتماعي:

إذا جمعتْ بين امرؤين صناعةٌ/// فأحببتَ أن تدري الذي هو أحذقُ

فلا تتفقد منهما غير ما جرت/// به لهما الأرزاق حين تتفرّقُ

فحيث يكون النقص فالرزق واسع/// وحيث يكون الفضل فالرزق ضيقُ

إن بناء الحزب وحشدت ليس بتاتا هو التدوين على الفيس. بل لربما يأتي الكلام في الفيسبوك مثل الموج الذي يذهب بالقصور الرملية المبنية على الشواطئ. البناء الصلب يكون بعيدا عن التماس مع أمواج الفيسبوك. نعم للفيسبوك دور في كشف الهشاشة الضاربة في جذورنا. كلما كان البناء بعيدا عن رمال الفيسبوك كلما كان صلب الأسس لأن جذوره بين الناس وفي أعماق قناعاتهم.

لا يعني أن ليس للفيسبوك خطره العظيم. لكن شرط استعماله في تقوية العلاقات وترسيخ التقاليد البناءة في الائتلاف والاختلاف سواء.  وما دام الفيسبوك سلاح ذا حدين، فمن باب التثقيف السياسي الانتباه لجوانبه السلبية. وبالتالي من المفروض أن نختبر أخلاقنا ونحن نكتب على الفيسبوك:

ومن الكلام الذي لا نجده بكثرة في الفيسبوك قال آخر:

وَ زِنِ الكلامَ اذا نطقتَ فإنما/// يُبْدِي عيوبَ ذوي العيوبِ المنطقُ

وقال ابو الفتح البستي:

تكلّم وسدّد ما استطعت فإنما/// كلامك حيٌّ والسكوت جماد

كم من صمت أبلغ من الكلام:

فإن لم تجد قولا سديدا تقوله/// فصمتك عن غير السداد سداد

عود على بدء:

الحديث الايجابي عن مدربي الكرة الغربيين، يصدق في المجتمعات الغربية، حيث الديمقراطية في المعيش تفكيرا وتعبيرا وتفسيرا وعلاقات وتدبيرا. لذلك يجد اللاعب نفسه محاطا بترسانة ديمقراطية تهذب ذوقه وردود فعله وتحول ذكاءه وخبرته إلى قطعة غيار فاعلة ضمن محرك يشتغل وفق قواعد العمل المهيأة له.

ونجد أن التعاقد هو الذي يمثل الرابط بين كل أطراف الفريق. وكل من وجد نفسه في المكان غير المناسب يبذل الجهد للانتقال إلى مكانه المناسب. وكرامة كل واحد رهان الآخرين. فتبقى الثقة رغم الاختلاف حول مسببات الوضع. ورغم انهيار أسس التعاقد يظل الاحترام المتبادل قائما.

رابط مختصر