الوثيقة الاقتصادية للمؤتمر الثاني لحزب اليسار الاشتراكي الموحد

الوثيقة الاقتصادية للمؤتمر الثاني لحزب اليسار الاشتراكي الموحد

الوثيقة الاقتصادية

مقدمة
           يهدف الجزء الاقتصادي من التقرير السياسي المعروض على المؤتمر الوطني الأول إلى تحليل الوضع الاقتصادي الوطني في ارتباطاته الإقليمية والحضرية وتموقعه داخل نظام اقتصادي عالمي جديد يتميز بهيمنة القطبية السياسية والعسكرية الواحدة وسيادة الأصولية الليبرالية في صيغتها الأكثر توحشا .
كما يستحضر التحليل طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي في المغرب باعتباره الأساس الموضوعي للنظام المؤسساتي والسياسي المغربي وباعتبار المصالح والفئات الاجتماعية والبنيات التي تشكله وتتحكم في تطوره هي تلك التي تشكل وتتحكم في النظام السياسي القائم .
وينطلق التحليل من حقيقة مفادها أن استمرار وإعادة إنتاج بنيات وشبكات الريع والفساد واستغلال النفوذ والتخلف والتفكك يرتبط بشكل موازي وصميمي مع استمرار وإعادة إنتاج بنيات ومنظومة سياسية ومؤسساتية وإدارية ترفض الإصلاح والتحديث والدمقرطة والانفتاح على المواطن وعلى قيم العصر .
إن عجز النظام المؤسساتي والسياسي المغربي على الانفتاح واستعصاءه على التحديث والدمقرطة والإصلاح يفسر عجز النظام الاقتصادي والاجتماعي المغربي واستعصاءه على التقدم وعلى إطلاق سيرورة التنمية المستديمة وتحقيق مناعة نسيجنا الاقتصادي وتماسك جسمنا الاجتماعي .
إن غياب مشروع ذاتي المنطلق والتمركز وشامل الأبعاد هو الوجه الآخر لغياب إرادة سياسية تروم إصلاح النظام السياسي والمؤسساتي المغربي وتحديثه ودمقرطته.
وبهذا المعنى فإن مشروع البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحزب هو في العمق الشق الاقتصادي لبرنامج الإصلاح والتأهيل الشاملين الذي يشكل برنامج الإصلاح الديمقراطي السياسي والدستوري شقه التوأم. 

 

1 – الإطار الدولي:
       في نهاية الثمانينات أدى الانهيار المفاجئ للمنظومة السوفيتية إلى المصادقة تحت ضغط الولايات المتحدة القوة العالمية الوحيدة؛ على المقاربة النيو-كلاسيكية التي أسست لعدة قواعد أهمها :
الانضباط المتعلق بالميزانية ( القضاء على العجز المالي)؛ الإصلاح الجبائي الذي يستفيد منه أصحاب الثروات؛ التحرير التجاري الذي يهدف إلى إزالة الرسوم الجمركية في البلدان الأقل نموا بدون أي مقابل من لدن الدول الغنية؛ الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية دون ضوابط ولا مراقبة؛ عمليات الخوصصة التي تضع الرأسمال العمومي بين يدي الأقوياء؛ اللا تنظيم les déréglementations)  ) الذي يهدد ضمان الشغل للجميع و يقلص من المراقبة الاجتماعية والبيئية؛ ثم الحفاظ على الحكومات ذات الوزن الضعيف إلا فيما يخص الواجهة الأمنية.
وهكذا بدأت تتجلى معالم العولمة المالية كصيرورة لإعادة هيكلة الاقتصاد العالمي ساعية بذلك إلى حل أزمة الرأسمالية التي بدأت مع فائض الإنتاج الذي عرفته دول الشمال ، ناهجة استراتيجية جديدة هدفها قلب الاتجاه الذي يسير نحو تقهقر نسبة فوائد الرأسمال العالمي، لا يهمها في ذلك إلا الربح المادي كيفما كان سعره الاجتماعي ، مشكلة بذلك هجوما مباشرا  على الشغل وأساسا على الشغل المنتج و المعيد للإنتاج الذي يعد الركيزة الأساسية لسير الإقتصادات  للدول النامية .
     أدت العولمة النيو-ليبرالية إلى تحول مؤكد في الدور الذي تلعبه الدولة في اقتصاداتها الوطنية، وأصبحت الحكومات؛ في البلدان النامية تعد هي الناقل لحركة  هذه العولمة وتتصرف وفق مصالح القوى المهيمنة على حساب مصالح الجزء الكبير من شعوبها بعد لم يبقى لها إلا هامش صغير للتحكم في مجريات الأحداث .
إن عددا من الندوات الدولية والدراسات المتعلقة بالتنمية في البلدان السائرة في طريق النمو تؤكد على الهيمنة المتنامية والمقلقة ل “الأصولية اللبرالية”               Lefondamentalisme libéral »    «   التي  تتميز  بالعنف    الاقتصادي والمتمثل في : التسريحات الجماعية للمأجورين ، تسديد الديون اللا متناهية والتي تترك وراءها ملايير من الفقراء (من بين 6 ملايير نسمة في العالم 1.6 مليار شخص فقط يستفيدون من الخيرات والخدمات العالمية) ، المشروطات الاقتصادية التي تفرضها المؤسسات المالية ومنظمة التجارة العالمية.
     وبشكل سريع يمكن تلخيص أهم مميزات الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة كما يلي:
1- هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية واستعمالها سلطتها السياسية والعسكرية من أجل إبرام اتفاقيات التبادل الحر مع عدد من الدول والتحكم المباشر في سوق الموارد الطاقية وذلك من أجل احتواء التزاماتها في إطار منظمة التجارة العالمية ومحاصرة القوات الاقتصادية العظمى أو المتعاظمة كالاتحاد الأوروبي اليابان أو الصين ومنافستها.
2- هيمنة الرأسمال المالي  le capital financier  على النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الصناديق الأمريكية les fonds de pension  وتحكمها في حركية الاستثمار الدولي دون تحملها أعباء التسيير المباشر
3- صعود المبادلات اللامادية les flux immatériels   وهيمنتها على المبادلات الدولية .
4-   تصاعد الفقر والهامشية و الاستقرار والفوارق بين الشمال والجنوب.
5- تصاعد حركات المقاومة العالمية المتعددة الأشكال للعولمة المتوحشة وتمظهراتها  
6- تنامي الاهتمام بمحاربة الرشوة وتبييض الأموال والمنافسة اللا مشروعة على الصعيد الدولي.
       
2 – القوى المؤثرة في الاقتصاد الوطني:   
أ – الدولة وسيادة البنية المخزنية :
        إن للدولة دور مركزي و جوهري في توفير البنيات التحتية و التجهيزات الاجتماعية الكبرى التي يجب أن تستند عليها كل تنمية اقتصادية منسجمة و متوازنة، وللدولة كذلك دور طلائعي في  بناء الاقتصاد الوطني على أسس حديثة مندمجة و متكاملة. إلا أن ما يميز الدولة المغربية هو تجدر و تضخم الطابع المخزني لجهازها. فالمخزن كنظام سياسي-إيديولوجي بلور ثقافة و توجها سياسيين ضمن يهما منذ الاستقلال وظيفة مراقبة مراكز القرار و أصبح يحدد القواعد المدبرة للفضاء العام حتى لا تبرز أي قوة مضادة له. وهكذا شكل المخزن قوة اقتصادية كبرى عبر استحواذ العائلات والفئات المتنفذة والقريبة من السلطة السياسية و الإدارية -بما فيها تلك المرتبطة بالاستعمار مباشرة – على جزء أساسي من وسائل الإنتاج سواء منها الخاصة أو العامة و تحكم بذلك في المجتمع بلجوئه إلى نظام الزبونية التقليدية (شبكة الأعيان التي تطورت إلى شبكات معقدة من التحالفات).    و تكونت بذلك طبقة رأسمالية مبنية على علاقات تنتمي لمراحل سابقة من تطور الرأسمالية، تقوت بفضل الاستحواذ على جزء متزايد من الفائض الاقتصادي عبر امتصاص موارد الدولة و المؤسسات العمومية وشبه العمومية.
و من تجليات تحكم البنية المخزنية في الاقتصاد الوطني ،  خلق وتنمية ما يسمى باقتصاد الريع والذي اتخذ جميع الأشكال: الإعفاء من الضرائب، الحماية الجمركية الانتقائية، تفويت ممتلكات الدولة من ضيعات و أراضي…، توزيع مقالع الرمال و توزيع رخص النقل وغيرها، الاستغلال العشوائي للثروات البحرية الخ…
   هذا النمط من الاقتصاد الذي يكرس التبعية و الخضوع، استفادت منه الفئات التي تدور في فلك المخزن والتي  ساهمت بدورها في إضعاف المؤسسات والتقليل من الضغوطات  الإصلاحية.من جهة أخرى. وساهمت ثقافة المخزن في خلق  نظام إداري  بيروقراطي مبني على الزبونية والمحسوبية والرشوة وعلى عدم احترام القانون بل و عرقلة أي تشريع قد يمس مصالح هذا النظام الإداري،  حتى أصبحت هذه الممارسات شيئا طبيعيا وعاديا وذو اتجاه واحد  irréversible) )داخل الإدارة العمومية.
        إن توجه المخزن نحو أطراف من صفوف القوى الديموقراطية لتدبير الأزمة و محاولة إنقاذ المغرب من “السكتة القلبية” ظل يعاني من غياب الإرادة السياسية لدى الحاكمين مما جعل  مشروع “التناوب التوافقي”- الذي اعتبر مؤشرا لدخول المغرب مرحلة الانتقال الديموقراطي- يخفق أمام التحديات التي كانت تنتظره. عدم توفر الإرادة السياسية الكافية لدى الحاكمين تؤكد أن المخزن مازال متشبثا بروحه مع تغيير في أساليبه و أصبحت استراتيجيته، التي كانت تعتمد على القمع والترهيب والتخويف،  مبنية على تطوير  قدراته على  إدماج واستيعاب نخب جديدة  ضامنا بذلك تخليد منظومته.   
ب – البورجوازية الوسطى
        إن الكيفية التي تحكم بها المخزن في النظام الاقتصادي المغربي منذ بداية الستينات خلخلت التفاعل الطبيعي لطبقات المجتمع وأحجمت من إمكانية تطورها ، خاصة منها البورجوازية الوسطى التي يمكن أن نقسمها إلى صنفين:
البورجوازية الوسطى التقليدية:
    استطاعت هذه الفئة أن تتكيف مع نظام المخزن و استفادت طيلة الستينات ولو نسبيا من نظام الحماية والامتيازات (بونات الشاي والسكر والدقيق والإسمنت الخ) ومن استبدال الواردات. كما استطاعت أن تتجدد و تتوسع جزئيا في بداية السبعينيات مع سياسة المغربة والمشاريع الطموحة التي أقرها المخطط الخماسي الذي تم اعتماده بعد ارتفاع أسعار الفوسفاط آنذاك مما شجع على عصرنة بعض القطاعات خصوصا في ميادين الهندسة و البناء و الأشغال العمومية. إلا أن هذه الفئة لم تستطع تجاوز أشكالها التقليدية للتدبير المبنية على التكيف و الخضوع لهيمنة الإدارة العمومية والمخزن ومبنية أيضا على الأنشطة المضارباتية و التعايش مع القطاع الغير مهيكل والتهريب.لذلك لم تنخرط، في معركة الإصلاح و التحديث الديموقراطي للمؤسسات وتراهن على الحفاظ على الوضع الراهن للمحافظة على مصالحها.
البورجوازية الوسطى العصرية:
    نشأت هذه الفئة في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات وهي فئة ارتبطت بما يسمى بالقطاع العصري والذي يركز على الاستثمار المنتج في قطاعات تنافسية جديدة وذات قيمة مضافة مرتفعة خصوصا في مجالات الصناعة والهندسة والتقنيات الجديدة والإعلاميات، الشيء الذي جعلها تكون أكثر انفتاحا على التقنيات
الحديثة في التسيير و التدبير،  مشغولة بهم امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، منخرطة بشكل كبير في العمل الجمعوي المهني. تميزت هذه الفئة عن البورجوازية التقليدية بانخراطها في الدفاع عن إصلاحات ملموسة للمناخ الإداري والمؤسساتي للنشاط الاقتصادي ومحاربة الفساد والرشوة كما طالبت بالقيام بإصلاحات في مجالي الإدارة العمومية و القضاء. إلا أن انخراطها في هذه الصيرورة ظل مشوبا بالتردد الناتج أساسا عن عدم استقلاليتها عن البرجوازية التقليدية.       
ج-الطبقات الشعبية :
      هي الضحية الأولى للسياسات الاقتصادية  المتبعة منذ بداية الستينات، ما فتئت هذه الفئات ترى مستوى عيشها يتدهور يوما بعد يوم وهي التي حملت على كاهلها نتائج برامج التقويم الهيكلي من أجل تحقيق التوازنات الاقتصادية. وقدعرفت هذه الطبقات تحولا في مكوناتها، فبعد أن كانت مكونة أساسا من اليد العاملة الصناعية والفلاحية، التحقت بها في عقد الثمانينات مع انطلاق “مسيرة الفضيلة”  فئات مستخدمي التجارة و الصناعة وشركات التأمين و الأبناك والصناع التقليديون والتجار الصغار والحرفيون الذين يملكون وسائل إنتاج ضعيفة يستغلونها بأنفسهم أو مستعينين بمستخدم أو متدرج. ظلت الطبقات الشعبية مهمشة ومقصية من الحقل السياسي، بالإضافة إلى أن قيادات المركزيات النقابية لم تعمل على البحث عن موازين قوى تمكن من تلبية مطالب هذه
الفئات بل غرقت بدورها في نزاعات سياسوية. وكان من عواقب هذا الإقصاء السياسي، إحساس الطبقات الكادحة بالخيانة وبالعزلة  في غياب تحقيق آمالها في التحرر والتطور والظفر بالعيش الكريم وما يصاحبه من تمدرس وتداو وحق في الشغل وتكافؤ في الفرص لأبنائها، مما جعلها تصبح فريسة التوجهات   الأصولية.
د-العوامل الخارجية:
       لم يعد هناك أي شك في أن العالم أصبح مكانا صغيرا ومندمجا للغاية: التجارة العالمية تتنامى سنة بعد سنة؛ الاستثمارات تخلق شبكات إنتاج على المستوى العالمي والاتفاقيات الدولية تحمل الدعم القانوني اللازم لفضاء اقتصادي موحد. إنها العولمة التي فرضت ضرورات تجارية جديدة تتمحور حول الرفع من حجم المبادلات الخارجية و تضمحل فيها الحواجز الجمركية و الكوتات لتترك المجال للمعايير التنظيمية normes réglementaires) ) كمصادر ممكنة لخلق حواجز في إطار التبادل الحر. بالطبع ستظل هذه المبادلات غير متوازنة وتبقى دائما في صالح الشريك المتوفر على مؤهلات كبرى تجعله يتحكم  في علاقة التعاون التي يؤسسها  على قواعد تمنحه الامتياز. إن التحديات التي تطرحها العولمة بالنسبة للدول النامية كبيرة وجبارة ومواجهتها أصبحت حيوية لكي تستطيع هذه الدول
الاندراج في النظام الاقتصادي العالمي. والمغرب لا يستثنى من هذه القاعدة، فالتأخير الكبير الذي يعرفه في مجالات التعليم والتكوين المستمر والبحث العلمي و تأهيل المقاولة و التسيير الإداري  جعلته يدخل مجال العولمة  من النافذة.
3 – خصائص ومميزات الاقتصاد المغربي :
*المميزات العامة
          إن تحكم البنية المخزنية في الاقتصاد الوطني منذ الاستقلال واعتمادها على الفئات الاجتماعية الأكثر تخلفا وارتباطا بالبنيات التقليدية وبالاستعمار ومقاومتها للمحاولات التي قامت بها الحركة الوطنية من أجل بناء بعض أسس اقتصاد وطني يتوفر على حد أدنى من مقومات العصر والاستقلالية أديا إلى إنتاج و إعادة إنتاج اقتصاد مغربي معاق يمكن تلخيص خصائصه ومميزاته الجوهرية كالتالي :
أ- التخلف : حيث أن اقتصادنا اقتصاد متخلف عاجز عن تحقيق تنمية مستديمة ذاتية الدينامية، بعمق الفقر، ويجعل المغرب ونحن في بداية الألفية الثالثة يشكو الخصاص والضعف والهشاشة على صعيد البنيات التحتية وبؤس المرافق والخدمات الاجتماعية .
ب- التبعية من موقع دوني : سواء على المستوى التجاري أو التكنولوجي وضعف قدراتنا التفاوضية كما برز ذلك بشكل جلي في اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي وبشكل أفظع في التفاوض حول اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة  الأمريكية وتبرز دونية موقفنا التبعي في المكانة التي نحتلها مقارنة مع اقتصاديات منافسة سواء على مستوى جلب الاستثمارات أو الدفاع عن الامتيازات القطاعية ، رغم أن هذه الاقتصاديات لاتملك نفس المقومات التي تتوفر عليها بلادنا.   
ج – الـتـفـكـك: حيث أن قطاعاتنا الاقتصادية لا ترتبط ببعضها ولا تتكامل ، بل إن هذا التفكك يسود حتى داخل القطاع الواحد .
ه – الهـشـاشة : إن كل الخصائص التي تمت الإشارة إليها وتفسر وتؤكد الطابع الهش لاقتصادنا ولنسيجنا الإنتاجي ، حيث يبقى معدل النمو ، كما كان عليه الشأن في بداية الاستقلال ، خاضعا لمستوى التساقطات المطرية مثلا ، وتبقى حاجياتنا من بعض المواد الأساسية خاضعة كلية لتقلبات السوق العالمي أو للطوارئ.
*المميزات القطاعية
أ – القطاع الفلاحي :
      إن القطاع الفلاحي يشكل محركا أساسيا للاقتصاد الوطني ككل ومرتكزا ضروريا للتنمية القروية ومدخلا لمواجهة تحديات العولمة. إلا أن  الناتج الداخلي الخام  للقطاع الفلاحي بالمغرب ظل  يتغير بالتغيرات المناخية والتساقطات المطرية حيث أن سنوات الجفاف تضعف بشكل كبير الناتج الداخلي الخام الفلاحي و بالتالي تؤدي إلى شلل عام للاقتصاد الوطني.
      لم يستفد هذا القطاع إلا من 10% من مجموع الاستثمارات مع أنه  يبقى المشغل الأساسي في المغرب حيث يشغل 40% من الساكنة النشيطة ويشكل 78% من الشغل في العالم القروي .ويساهم في الناتج الداخلي الخام ما بين 12 و 24  % حسب التقلبات المناخية وتؤثر هذه التقلبات في نفس الوقت وبشكل كبير على الناتج الداخلي الخام. في فترات الجفاف، تجد كل هذه الفئات  نفسها في وضعية مادية واجتماعية يرثى لها وتؤثر بالتالي بشكل مباشر على نشاط القطاعات التابعة لها.
      اختارت السياسات المخزنية المتبعة منذ عقود تهميش العالم القروي و باتت كل محاولات تنظيم الفلاحين في إطار تعاونيات أو جمعيات خاضعة للسلطات المحلية التي ترخص لمن تشاء من التعاونيات  وتفرض من تشاء من أعوانها على رأسها. و هكذا بقي العالم القروي يعاني من تنظيم اجتماعي بدائي هش يطغى عليه  نظام الوحدات الإنتاجية العائلية المبنية على اشتغال الأطفال و النساء ويعاني من استمرار الأمية حيث بلغت نسبتها % 67 في العالم القروي و حيث لا تتعدى نسبة المزارعين الذين يتوفرون على مستوى تعليمي يتجاوز الابتدائي سوى %10، في حين 81% من المزارعين هم أميون.
    عقدت على سياسة بناء السدود المتبعة منذ أواسط الستينات آمال كبيرة في تطبيق برنامج الري : مليون هكتار، وبالتالي تنمية الإنتاج الفلاحي بالمغرب. إلا أن هذا البرنامج عرف بدوره تعثرا كبيرا، ولم يتم الوصول إلى مليون هكتار مسقية      (مع العلم أن هذه المساحة لا تمثل إلا 10.8% من المساحات الصالحة للزراعة)   إلا سنة 2000 ؛ بعد أن عرف المغرب سنوات عديدة من الجفاف أثرت؛  إلى جانب التبذير وسوء التدبير لعمليات سقي الأراضي؛ بشكل سلبي على مدخرات السدود من المياه، الشيء الذي جعل من الصعب استغلال الأراضي المسقية بصفة منتظمة. ورغم توالي سنوات الجفاف و انخفاض مدخرات المياه الجوفية ورغم قرب تصنيف المغرب في سنة  2005 كبلد ذو كرب مائي  à stress hydrique »  pays   «      فإن المسؤولين لم يقوموا بأي عمل ملموس لترشيد استغلال المياه السقوية كتعميم الري بالتنقيط والبحث عن مصادر أخرى للمياه.       
من جهة أخرى تعاني الفلاحة من ثنائية صارخة تتمثل في أن السياسات المتبعة منذ بداية الاستقلال والتي كانت تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المواد الأساسية فشلت كليا في الوصول إلى هذا الهدف  وظل  الإنتاج الفلاحي المغربي يعاني ؛إلى يومنا هذا ؛ من عجز بنيوي في المواد الأساسية مثل الحبوب ، السكر، والزيوت حيث لا تتعدى نسبة الاكتفاء 30 إلى75 % بالنسبة للحبوب (حسب الظروف المناخية) و %50 بالنسبة للسكر.
ب – القطاع الصناعي:
       لم تستطع الصناعة المغربية اختراق مجال الصناعة الحديثة و بقيت تقتصر أساسا على الصناعة  التحويلية  وخاصة تحويل الفوسفاط وتكرير البترول وصناعة الإسمنت. أهمية هذا القطاع في المغرب تتجلى في كونه يشغل حوالي مليون و300 ألف نسمة في المجال الحضري.    ويشكل حوالي 31 % من الناتج الداخلي الخام المغربي. إلا أن هذه الصناعات التحويلية  ظلت مشتتة ،غير متجانسة تكنولوجيا وغير مندمجة مما جعلها لا تساهم في استيعاب القيمة المضافة في هذا القطاع أو ذاك ولا في مضاعفة الآثار الإيجابية للاستثمار أو لتنمية الإنتاجية أو للتطورات الممكنة على المستوى  التكنولوجي في هذا القطاع أو ذاك.مما أدى إلى تنامي الاختناقات  في قطاعات التصدير التقليدية التي استندت عليها الرأسمالية  التبعية بالمغرب والتي عجزت عن توسيع وتداخل البنية الإنتاجية واكتساحها لمجالات عصرية جديدة أكثر قدرة على الانصهار في صيرورة التنافس الدولي؛ مما ساهم بجانب ضعف الصادرات الفلاحية في تدهور العجز التجاري المغربي والذي انتقل من ناقص   2.4  مليار دولار في سنة 1999 إلى ناقص 5.4 مليار دولار سنة 2003.
      على المستوى الداخلي  أصبح القطاع الصناعي المغربي يواجه منذ سنة 2000 انفتاح الحدود بعد اتفاق التبادل الحر المبروم مع الاتحاد الأوروبي وما نتج عنها من إغراق للسوق المحلي بسلع ذات جودة عالية و بأثمنة مناسبة مما ساهم في تعرية واقع المقاولة المغربية و ضعف تنافسيتها  والتي ترتبط أساسا  ب :
ضيق السوق الداخلي و ضعف القوة الشرائية (30.5 مليون مغربي لم يتجاوز معدل الدخل السنوي للفردسنة2001  إلا 1190 دولار) ، ضعف ثابت للتجهيزات التحتية العمومية من نقل وطرق وكهربة و بقع أرضية الخ، انحراف جبائي حيث تتعرض الصناعة لجبائية مرتفعة في حين تبقى الفلاحة معفية من الضرائب. ينضاف إلى كل هذا، الإطار القانوني العام الذي يظهر جليا أنه مجحف ومضر للتنمية الاقتصادية ومعيق حقيقي لتأهيل المقاولة و الذي ما فتئت قوى اليسار تندد به معتبرة أن نمط اشتغال العدالة في المغرب لا يضمن الأمن القانوني الكافي للمقاولات والأشخاص. وكانت قوى اليسار هي السباقة  لدعم فتح أوراش القوانين المنظمة للعلاقات بين الفاعلين الاقتصاديين كمدونة الشغل و قانون المنافسة وقانون الشركات المجهولة الإسم.
ج-القطاع السياحي
  
    رغم أن هذا القطاع حظي بالأولوية في السياسة الرسمية المتبعة حتى الآن فإن النتائج ظلت ضعيفة بالنظر للدعم الذي يحظى به و بالنظر لرهاناته الاقتصادية حيث يمثل المنتوج السياحي حوالي  7.8 % من الناتج الداخلي الخام ويعد ثالث مصدر للعملة الصعبة . فلازال المغرب يعرف أضعف نسب السياح الأجانب  الذين يعاودون زيارته ولازال السياح الأوروبيون يشكلون العمود الفقري للسياحة الأجنبية وخصوصا السياح الفرنسيون الذين يمثلون 41% من الزوار الأوروبيون للمغرب. هذا الاقتصار على السوق الأوروبية لجلب السياح يدل على غياب استراتيجية حقيقية لتنمية القطاع السياحي بالبلاد. ويبقى مخطط لازوردي                      «  le plan azur » المعلن عنه في يناير 2001 والذي يهدف إلى تحقيق 10 مليون سائح في أفق سنة 2010 متوقفا على حل الإشكاليات التي يعاني منها القطاع.
د – القطاع غير المهيكل :
     من مظاهر الأزمة البنيوية التي يعرفها الاقتصاد المغربي هو تنامي القطاع الغير المهيكل وخصوصا في السنوات العشر الأخيرة حيث أصبح هذا القطاع بمثابة نمط إنتاج سوسيو-اقتصادي منظم ذاتيا، منفلت من أي مراقبة للدولة.  فتنامت جميع شعب القطاع غير المهيكل سواء منها الشرعية ( الأنشطة المنتجة الغير المصرح بها)، أو غير الشرعية  من تهريب، مخدرات وعهارة. وأصبحنا نرى العديد من المواطنين يمارسون تجارة صغيرة أو يحترفون مهنة بسيطة من أجل الحصول على لقمة العيش  لكنها تبقى لقمة غير قارة مع غياب أي تغطية اجتماعية.
إن أهمية القطاع الغير مهيكل المنتج تتجلى في كون 21 % من السكان يرتبط دخلهم بهذا النشاط الذي يتكون من أزيد من مليون ومائتي ألف وحدة إنتاجية غير مهيكلة (غير فلاحية)، يوجد أغلبها في المدن وتشتغل أساسا بالتجارة وإصلاح الآلات وبعض الصناعات الخفيفة . وقد قدر رقم معاملات هذه الوحدات سنة 2000 ب  166.35  مليار درهم. لاشك أن السعة التي اتخذها هذا القطاع تضر كثيرا بتنمية الاقتصاد الوطني،  لأنه يبقى نمط إنتاج تسليكي غير مؤطر وغير قابل للتأهيل و التطوير  و لا يحقق للمشتغلين فيه الحد الأدنى من العيش الكريم والمتواصل، بالإضافة أنه يشكل عرقلة حقيقية لتأهيل المقاولة المغربية وخصوصا الصغرى والمتوسطة بدخوله معها في منافسة غير متساوية وغير شريفة.
4- السياسة الاقتصادية للدولة المغربية :
         قد يكون من الصعب الحديث عن سياسة اقتصادية للدولة المغربية بمعنى استراتيجية ممتدة في الزمان ، تهدف إلى بلوغ الاقتصاد المغربي لأهداف مسطرة على مستوى النمو والقيمة المضافة وعناصر التنافسية والخيارات القطاعية. من الأكيد، أن الدولة استطاعت توسيع القاعدة الاقتصادية للفئات المتنفذة، لكنها ظلت عاجزة مع ذلك على بناء طبقة مقاولاتية بالمعنى العصري للكلمة وعلى بناء نموذج ناجح اقتصاديا ولو على صعيد منتوج أو صناعة ما. بل يمكن القول، أنه باستثناء سياسة تشييد السدود والتي لم تستطع حماية المغرب من عواقب الجفاف ومن الندرة البنيوية للمياه ، فإن كافة أوجه السياسة الاقتصادية اتسمت بالسطحية والتقلب.
وباستثناء لحظة قصيرة جدا بعد ارتفاع أسعار الفوسفاط في منتصف السبعينات ، يمكن القول بأن السياسة الاقتصادية للدولة لم تعرف أية مبادرة إرادية لخلق نمو قار ومرتفع واكتفت بالتدبير المحا سباتي الضيق للميزانية.
وهكذا ومنذ بداية الثمانينات، ورغم الحديث الكبير والمتواتر عن التقويم الهيكلي لم تعرف الدولة إلا تدبير الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى بالتشدد في الحفاظ على العجز في الميزانية في حدود 3 في المائة ومحاولة التحكم في التضخم وذلك على حساب الاستثمار العمومي، حيث أن جميع الحكومات المتعاقبة ظلت عاجزة التأثير في اتجاه تخفيض ميزانية التسيير أو مستوى الأجور العمومية التي تتراوح نسبتها 13 في المائة من الناتج الداخلي الخام، كما أن معدل  نسبة النمو الاقتصادي  في السبعينيات الذي بلغ 5.6 % ما فتئ يتدهور في العقدين المواليين حيث انخفض في الثمانينيات   إلى 3.6    % وفي التسعينيات كذلك ليصل إلى   2.4  %.
هكذا لم تستطع الدولة أن تؤثر على بنية النظام الجبائى الجائر الذي يجعل موارد الدولة تعتمد بالأساس على الضرائب الغير مباشرة وبالخصوص تلك الموجهة للاستهلاك (الضريبة على القيمة المضافة و الضريبة الداخلية على الاستهلاك  TIC، وعلى الضرائب المفروضة على المأجورين ( الضريبة العامة على الدخل ) و على الرأسمال المنتج ( الضريبة على الشركات ).
 ويمكن أن نشخص غياب سياسة اقتصادية فعلية وتوافق الاختيارات الاقتصادية الرسمية في القضايا التالية :
تدبير الميزانية : أصبحت الإكراهات الموازناتية من قبيل العجز ونسبة التضخم أهدافا في حد ذاتها لسياسة تدبير الميزانية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة ، رغم أن هذا التشبث الدوغمائي المحافظ لم يفلح في خلخلة هيكل الميزانية ، بل أنه ساهم في تخلف الخدمات الاجتماعية وضعف وتيرة الاستثمار العمومي على مستوى تشييد البنيات الأساسية الضرورية للاقتصاد الوطني ، بل إن تجارب الدول تظهر أن تحقيق التوازنات والتحكم في التضخم يمكن أن يتعايش مع تخلخل خطير
للتوازنات الاقتصادية والاجتماعية ومع العطالة، فالمغرب الذي لايتجاوز العجز رسميا 3% ولا يتجاوز التضخم رسميا 1.5% يعرف في الحقيقة نسبة 20 % من البطالة و مستوى تشغيل طاقات الإنتاج الصناعية لا تتعدى في المعدل 60 %.
بل إننا يمكن أن نقول بأن الميزانية تعكس في الحقيقة ادخارا سلبيا تخفيه واردات الخوصصة .
تدبير المديونية:  تفتخر الدوائر الرسمية بنجاح الحكومة في تدبير المديونية وتخفيض مستوى الدين الخارجي بنسبة مهمة. بل وتحويلها لجزء هام من هذه الديون إلى استثمارات ونجاحها في ما سمي بالتدبير الديناميكي للمديونية عبر التقليص من الديون ذات التكلفة العالية. وإذا كان من المشروع الاعتراف للحكومات المتعاقبة بهذه الإنجازات والتحسن النسبي للمغرب عند المؤسسات المالية الدولية المفترض منها على وجه الخصوص ، فإن ذلك لا يمكنه أن يحجب حقيقة استقرار الدين في مستواه مع تحول الثقل إلى المديونية الداخلية في عملية تحول جزءا هاما من الموارد الداخلية التي كان يمكن أن توجه لتمويل الاقتصاد الوطني.
تمويل الاقتصاد الوطني:  لم تنجح الدولة رغم توفرها على الأدوات الرسمية لذلك ، في توفير أداوت تمويل قارة و فعالة ومرنة للاقتصاد الوطني .حيث أن القطاع المالي المغربي ، ورغم ” سلطة ” البنك المركزي وأدوات تدخله ، لا يلعب الدور المنتظر منه في توفير التمويلات اللازمة للنشاط الاقتصادي بل أن نسبة الفائدة وهامش الربح وغياب روح المغامرة ووضعية شبه الاحتكار التي يعرفها وتجاهل بعض مكوناته المؤثرة حتى بمقتضيات القانون البنكي نفسه جعله غير مواكب بالمرة لمتطلبات تمويل الاقتصاد الوطني .
كما أن الغموض الذي يلف إعادة التشكل التي يعيشها منذ أن استحوذت مجموعة    ” أونا ” المرتبطة بالأسرة الملكية على الشركة الوطنية للاستثمار وعملية احتواء مجموعة بنك الوفاء، لايساهم في توفير الشفافية والثقة المطلوب توفيرها لتشجيع الاستثمار و المبادلات الاقتصادية .
وفي هذا الإطار ، يكتسي الحديث عن البورصة طابعا فولكلوريا حين تعرف حجم المبادلات الضعيف قياسا لحجم النشاط الاقتصادي الوطني وحجم مجموعة أو اثنتين في مبادلات البورصة .
التوفير والاستثمار: إن نسبة الاستثمار (  le taux d’investissement ) الذي يحدد قوة النمو الاقتصادي (  le potentiel de croissance )–  لا زالت جد ضعيفة في المغرب. فالإحصائيات الرسمية تظهر أن هذه النسبة ظلت جامدة منذ أكثر من 20 سنة في حدود 22 في المائة ( بمعدل 22.3 %  بين 1983 و 1992 و بمعدل 22.2 % بين 1993 و 2002 ). في حين تبين عديد من الدراسات الاقتصادية الرياضية (  Etudes Econométriques) بما فيها تلك المنجزة من طرف البنك الدولي أن الدفع بنسبة النمو الاقتصادي إلى مستوى قادر على التخفيف
من ضغط البطالة يتطلب الرفع من نسبة الاستثمار  إلى ما يقارب 30   . و تبقى طموحات وزارة المالية من خلال تقريرها الاقتصادي والمالي الأخير الملحق بقانون المالية لسنة 2004 محدودة في  الوصول في أفق سنة 2006 إلى نسبة 26 في المائة فقط. إن ضعف نسبة الاستثمار مرتبط  بضعف التوفير الناتج أساسا عن ضعف المداخيل و عن توزيع غير عادل للثروات. فنسبة التوفير الداخلي تبقى في المتوسط أقل من 18 في المائة رغم  ارتفاعها في النصف الثاني من التسعينيات ورغم ارتفاع نسبة التوفير الوطني الخام خلال السنوات الأخيرة بفضل المغاربة المقيمين بالخارج وبعض عمليات الخوصصة . إلا أن هذا “التوفير الخارجي”  لا يساهم إلا بجزء قليل في عمليات الاستثمار .
 من جهة أخرى، ظلت استثمارات القطاع الخاص الذي كان يعول عليه في تعويض تخفيض استثمارات الدولة, خصوصا بعد تطبيق سياسة        التقويم الهيكلي، ضعيفة لن تشكل؛ على سبيل المثال وحسب توقعات قانون المالية لسنة 2004؛ إلا الثلث من نسبة الاستثمار المرتقبة لهذه السنة والمحددة في  24.2 ص   %.
في الخوصصة:   تندرج عمليات الخوصصة التي أقدمت عليها الدولة في إطار استراتيجية اقتصادية وصناعية متكاملة بل إنها خضعت من جهة للدوغمائية الليبرالية السائدة الداعية والضاغطة من أجل تخلي الدولة عن أي دور اقتصادي مباشر ومن جهة للحاجة إلى موارد لتمويل الميزانية العمومية . فهكذا على مستوى الأسلوب ، تميزت مساطر التفويت بالغموض شبه التام ، وغياب مساطر قبلية واضحة وشفافة .
كما أن إبعاد جزء من موارد الخوصصة من مسؤولية الحكومة عبر صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية يؤكد ضعف أدوات السياسة الاقتصادية للدولة .
بالإضافة إلى أن وجود مؤسسات عمومية استراتيجية خارج سلطة ومراقبة الحكومة والبرلمان كما هو الشأن بالنسبة للمكتب الشريف للفوسفاط ، مثلا ، والعلاقات المحا رمية (Incestueuses) بين بعض المؤسسات الخاصة المرتبطة بالدولة والمخزن والقطاع العام ، يعكسان تخلف النظام الاقتصادي المغربي وتأثير تخلف النظام المؤسساتي والسياسي على اقتصادنا الوطني .
في مهام التقنين والضبط والمراقبة: باستثناء بعض غلاة الأصوليين الليبراليين يجمع الكل على حيوية قيام الدولة بمهام التقنين والضبط والمراقبة خصوصا مع نزوعها نحو التخلي عن عدد من الوظائف الاقتصادية ومع تعدد المتدخلين في النشاط الاقتصادي وتعقده .
لكن الدولة المغربية بقيت متخلفة على هذا المستوى نفسه ، ودون الحديث عن ” الحرج ” المفهوم من طرف
أجهزة الدولة المكلفة بالمراقبة والتقنين حين يتعلق الأمر بمصالح الشخصيات العامة والخاصة النافذة ، لابد من الإشارة إلى الصراع الذي نشب بين جزء من الحكومة والوكالة الوطنية لتقنين المواصلات في خضم عملية تفويت جزء من القطاع العمومي للمواصلات السلكية واللاسلكية والاستقبال البارد للهيأة العليا للمجال السمعي البصري التي أحدثت بعد تحرير هذا المجال لصالح إذاعة ” ساوى ” .
بل إن تقاعس عدد من أجهزة الدولة عن القيام بمهامها يجعلها ضالعة في فضائح نهب وتبذير المال العام وموضع اتهام صريح في فضائح صناديق القرض العقاري والسياحي والفلاحي ، سواء تعلق الأمر ببنك المغرب أو بالمفتشية العامة للمالية أو لممثلي الحكومة داخل وعلى راس مجالس إدارات هذه المؤسسات.
  
      إن الخلاصة الأهم لتحليل السياسة الاقتصادية الرسمية تبقى هي افتقار الدولة المغربية لأي مشروع اقتصادي وغياب استراتيجية اقتصادية وصناعية عامة وقطاعية على المستويين المتوسط والبعيد .
ورغم أن الحكومة خلقت لجنة وطنية لتأهيل الاقتصاد الوطني فإننا ننتظر استراتيجية وطنية في هذا المجال ، خصوصا مع انخراط بلادنا في اتفاقية تبادل حر مع الولايات المتحدة الأمريكية يجهل الرأي العام مقتضياتها .
وفي هذا الإطار من الضرورة تسجيل التناقض بين الاهتمام الحكومي الرسمي بتنافسية الاقتصاد المغربي وتشجيع الصادرات مع سياسة الصرف التي تخدم الحفاظ على التوازن ومقاومة آثار تقلبات الدولار أكثر من تنمية الصادرات ، ومع غياب منظومة متكاملة ومنسجمة ومبدعة لتشجيع الصادرات.
إن تحليلنا لمختلف جوانب التدخل الاقتصادي يؤكد إفلاس الاختيارات الاقتصادية الرسمية السائدة منذ بداية الستينيات كوجه آخر للأزمة التي يعيشها النظام المغربي سواء على صعيد الاختيارات أو على صعيد المؤسسات أو على صعيد الآليات .
إن هذا الإفلاس له أثر اجتماعي خطير ساهم ويساهم في تعميق الشروخ الاجتماعية والفضائية وفي تكريس تهميش مناطق واسعة من وطننا وفئات واسعة من مواطنينا عبر التخلف الفظيع للخدمات الاجتماعية والمرافق العمومية والبنيات الأساسية .
ويتجلى هذا الأثر في تهريب أدوار الدولة في إعادة توزيع الدخل وتحقيق التضامن الاجتماعي لصالح بعض المستفيدين ، كما هو الشأن بالنسبة لسياسة دعم بعض المواد الأساسية عبر صندوق المقاصة والتي تحتاج إلى التحقيق لمعرفة الأسلاك والوسائل التي قادت إلى تحويلها لخدمة مصالح بعض الوسطاء ، دون أن يكون لها أثر كبير على الأوضاع المعيشية واستهلاك الفئات الشعبية الواسعة ، رغم أن سياسة الدعم هذه استفادت لتمويلها من الضرائب المفروضة على المواطنين.
5- الآثار الاجتماعية للسياسات الاقتصادية:
       إن الأزمة البنيوية الشاملة التي تعرفها بلادنا تكتسي في الجانب الاجتماعي كل أبعادها المأساوية ، وتكشف بشكل جلي عن فشل السياسات الاقتصادية المتوالية منذ بداية الستينات إلى الآن  بما فيها تلك المقتصرة على المحور المالي والمعتمدة على المؤشرات  الماكرو-الاقتصادية في غياب أي استراتيجية تنمية اجتماعية فعالة.
 إن ظهور و تفشي عدد من الأمراض الاجتماعية، ومظاهر التفكك، والظواهر الخطيرة كالإجرام والتهريب والمخدرات وسط شرائح واسعة من المجتمع المغربي وشبابه يظهر مدى قصر نظر أولئك الذين يدافعون عن التوازنات المالية والذين يقيدون وثيرة الإصلاح بوهم الاستقرار في الوقت الذي نرى فيه أن هذه الأمراض هي التي تهدد استقرار وأمن وطننا.
 
البطالة
      الإحصائيات تظهر أن سوق الشغل في المغرب يواجه معضلة تنامي اليد العاملة وندرة لفرص الشغل ينتج عنها تفاقم في البطالة: فإن عدد السكان النشيطين (15 سنة وما فوق) يقدر ب 10.902.000 نسمة. عدد العاطلين يقدر ب 1.300.000 مما يعطي نسبة للبطالة تقدر ب 12% .  إلا أن هذه النسبة لا تعكس البعد
الحقيقي لتفشي البطالة في بلدنا حيث أنه في العالم القروي  نجد أن نسبة البطالة منخفضة مقارنة مع مثيلتها في المدن و لا تتجاوز نسبة 5    % كمعدل سنوي وذلك راجع لمفهوم “العاطل” المستعمل في الإحصائيات حيث يعتبر أن أي شخص نشيط حتى وأن لم يتقاضى أجرا فهو غير عاطل وبالتالي و بالنظر لنظام الشغل السائد في العالم القروي والمعتمد على الاستغلال العائلي فإن عددا كبيرا من الأفراد لا يدخلون في عداد العاطلين. وهكذا فإن من بين 426.000 منصب شغل التي تم خلقها على المستوى الوطني سنة 2003؛ 37 % فقط تقاضى أصحابها أجرا، منها 150.000  في المدن أي أن خلق مناصب الشغل المتقاضى عليها  في العالم القروي  تبقى شبه منعدمة . و في المدن قدر عدد العاطلين سنة 2002 ب 1.125.000 شخص أي ما يفوق 80  % من العاطلين وما يمثل زيادة في نسبة البطالة تقدر ب 7 %مقارنة مع سنة 2002. مما ينتج عنه نسبة البطالة في العالم الحضري تقدر ب %19.3.
وتمس البطالة الشباب بالأساس حيث تصل نسبة العاطلين الذين لا يتجاوز سنهم 35 سنة 84% .وفي المدن 50  % من العاطلين يتراوح عمرهم بين 25 و 34 سنة. ويتميز سوق الشغل المغربي ب بارتفاع نسبة البطالة عند الحاصلين على الشواهد العليا. أما تحليل البطالة حسب المدة فإنه يبين أن العاطلين لمدة طويلة (أكثر من سنة) يمثلون حوالي ثلاثة أرباع العاطلين في المدن.
الفقر
         إن تقدير عتبة الفقر حسب المقاربة النقدية لسنة 1998/1999 يصل إلى 3922 درهم للسنة وللفرد في الوسط الحضري و3037 درهم في العالم القروي، وعليه بلغ عدد الساكنة الفقيرة في المغرب سنة 1999 5.3 مليون نسمة يوجد أغلبها في العالم القروي (3.5 مليون) .
وهكذا تتجاوز نسبة الفقر في البادية ضعف هذه النسبة في الحاضرة (وتقدر على التوالي ب  27.2 % و 12% رغم أنه لم تتجاوز نسبة السكان القرويين سنة 1999 46% من مجموع السكان نظرا للهجرة القروية التي عرفها المغرب خلال التسعينيات والتي أدت إلى انخفاض عدد سكان العالم القروي ب1 %كل سنة  متزامنة مع ارتفاع نسبة الفقر في البادية التي بلغت 5% سنويا. وعلى هذا المستوى ، يلاحظ ارتفاع نسبة الفقر في العالم القروي على ما هي عليه في الحاضرة في جميع مناطق المغرب دون استثناء، وتخص هذه النسبة الأطفال الذين تقل أعمارهم على 15 سنة حيث يمثلون 43 % من الفقراء .
 إن الفقر في المغرب هو نتيجة اختيارات سياسية متوالية استفادت منها فئة قليلة متنفذة في السلطة  وأدت إلى تفاقم الشروخ الاجتماعية بين العالم القروي والحاضرة وبين الميسورين والطبقات الكادحة.
المؤشرات الاجتماعية
   
      إن الوضعية التي يوجد  عليها السكن والصحة وكل الجوانب الاجتماعية تتناقض بشكل كبير مع كل المقاييس الدنيا التي تضعها المؤسسات الدولية والتي حاولت كل الحكومات المغربية أن تطبق تعاليمها. ويمكن تحديد أهم سمات التردي على المستوى الاجتماعي كالتالي :
 
ضعف مؤشرات التنمية البشرية :
         حسب تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية(PNUD)  لسنة 2003  فإن “مؤشر التنمية البشرية” الذي يضم أربع متغيرات:  العمر المتوقع عند الميلاد ليمثل بعد الحياة الطويلة والصحية؛ ونسبة البالغين الملمين بالقراءة والكتابة ومجموع نسب الالتحاق بمستويات التعليم الابتدائية والثانوية والجامعية ليمثلا بعد المعرفة؛ والناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد (مقاسا بالدولار الأمريكي) ليكون مؤشرا بديلا يبين الموارد المطلوبة لمستوى معيشي لائق ؛لا يتجاوز هذا المؤشر في  المغرب 0.602 في حين يصل المعدل الجهوي (الدول العربية) لهذا المؤشر 0.734 ليحتل بذلك المغرب الرتبة 126 من بين 175 دولة  . من المؤكد أن ضعف هذا المؤشر ما هو إلا نتيجة ل: عجز النظام التعليمي ككل و التعليم العالي والبحث العلمي عن المساهمة في التطور الذي تنشده البلاد.
  تدني مستوى التغطية الصحية بالمطلق وقياسا إلى بلدان تصنف عادة في نفس في مستوى المغرب حيث
تتجاوز على سبيل المثال نسبة الساكنة التي لا تتوفر على خدمات صحية 38 % (1993) و42 % لا تتوفر على قنوات التطهير (1998) و 3%     لا تتوفر على الماء الصالح للشرب (1998). كما أن المغرب يحتل الصف 15 بين الدول العربية فيما يخص ملائمة و إنصاف نظامه الصحي العمومي. (تقرير 2003 ( PNUD.
–         العجز المستديم في توفير الخدمات الاجتماعية و الثقافية الضرورية
–          بروز و استفحال الظواهر المرضية وتردي القيم الاجتماعية من انتشار للبغاء والمخدرات والتهريب والانحراف بكل أنواعه.
–         اتساع حزام الفقر والتهميش ليطال فئات واسعة من الجماهير الشعبية.
توازن هش بين الموارد البشرية والموارد الطبيعية :
 في الوقت الذي بينت فيه التجارب أن ليس هناك تنمية مستدامة بدون مطابقة بين الموارد الطبيعية والبشرية نجد في المغرب الذي مازال يعاني من ضغط ديموغرافي قوي أن التوازن بين هذه الموارد أصبح هشا أكثر من أي وقت مضى وان وضعية  البيئة والموارد الطبيعية للبلاد أصبحت مقلقة للغاية كما  تبينه بعض المعطيات الرسمية التالية:
–           الأراضي الزراعية : ما فتئت المساحة المزروعة /للفرد تنخفض من 0.732 هكتار /للفرد سنة 1960 إلى 0.326 هكتار /للفرد سنة 2000 ومن المتوقع أن لا تتجاوز في حدود 2020  0.224 هكتار للفرد: الأراضي تتعرض لعوامل التعرية حيث تقدر المساحات المتعرضة للتعرية ب 5.5 مليون هكتار ( 60 في المائة من المساحة الزراعية النافعة ) كما أن الملوحة بدأت تخص 500000 هكتار و المغرب يفقد سنويا حوالي  22000 هكتار من الأراضي الزراعية في مناطق ذات إمكانيات فلاحية حسنة بسبب التمدين و الاستغلال المفرط للأراضي واستعمال  تقنيات فلاحية غير ملائمة.
–           التشجير:  لا تتجاوز المساحات المشجرة في المغرب  أكثر من 8 في المائة من مجموع التراب الوطني وهي نسبة ضعيفة بالمقارنة مع النسبة  المحددة عموما بين 15 و 20 في المائة والتي من شأنها أن تضمن توازنا بيئيا مرضيا. بالإضافة إلى أن المغرب يفقد سنويا ما معدله 31000 هكتار من الغابات.
–           الماء: بالإضافة إلى أن هذه الثروة الطبيعية غير موزعة بشكل متوازن على التراب الوطني فهي مورد يقل يوما بعد يوم. كمية الماء لكل  فرد في التسعينيات كانت مقدرة في 830 م3 ، وهذه الكمية من المرتقب أن تنخفض إلى 460م3 في أفق 2010 ثم إلى 411 م3 في أفق 2020. زد على ذلك أن أغلبية الوديان و المياه الجوفية تتعرض لتلوث خطير من جراء النفايات الصناعية ، الفلاحية(المواد الكيماوية المستعملة)، الطبية والمنزلية…
إن هذه الوضعية المتدهورة  لمواردنا الطبيعية، والتي يتم إرجاعها عادة إلى فقر السكان وعدم وعيهم، تتطلب منا أن ندرج نضالنا من أجل بيئة سليمة في إطار نضالنا من أجل  محاربة الفقر و الفوارق الاجتماعية.  
6البرنامج الاقتصادي لحزب اليسار الاشتراكي   الموحد
      يعتبر حزب اليسار الاشتراكي الموحد أن الارتباط الوثيق بين الإصلاح المؤسساتي والسياسي وإصلاح الوضع الاقتصادي يعني في العمق أن توفر الإرادة السياسية لبناء توافق وطني متعاقد عليه من أجل إصلاح وتحديث مؤسسات الدولة تتجلى في إقرار برنامج لتحديث وإصلاح بنيات الاقتصاد الوطني والقضاء على نظام الريع والامتيازات وكافة المعيقات البنيوية التي تحجز تقدم الاقتصاد المغربي وتنتج وتعيد إنتاج التخلف وهشاشة الاقتصاد الوطني وتفككه وضعف تنافسيته ومناعته .
ولا بد في هذا المجال ، من التذكير بحقيقة بديهية وهي أن التخلف حالة شاملة تطال كافة المؤسسات والبنيات وأن الخروج من التخلف يعني خروج كافة الفئات والمؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية من تخلفها واستمرارها رهينة مصالح ضيقة ومتخلفة .
إن الانتقال الديمقراطي يعني أن تصبح كافة البنيات والمؤسسات في خدمة المصالح المشتركة لغالبية مكونات المجتمع . بهذا المعنى يصبح التوافق الوطني المنشود بين مكونات المجتمع المغربي أي بين المؤسسة الملكية والقوى الحية في البلاد بين الطبقات والفئات الاجتماعية تعاقدا من أجل سيرورة سلسة لتحديث وإصلاح كافة البنيات والمؤسسات وعلى رأسها المؤسسات الدستورية والإدارة والقضاء بهدف توجيهها لخدمة تنمية الاقتصاد
المغربي كما يخدم مصالح أوسع فئات المجتمع المغربي وينمي إنتاجيته وتنافسيته ومناعته في مواجهة تحديات العولمة ويضاعف قيمته المضافة محليا وخارجيا .
والبديهي أن التوافق الوطني بهذه الأبعاد يعني القضاء على اقتصاد الريع والامتيازات باعتباره شكلا متخلفا لاستحواذ فئة قليلة متخلفة على الفائض الاقتصادي الوطني، كما يعني توجيه الأدوات والوسائل والموارد والإمكانيات العمومية لخدمة المصلحة العامة أو مصلحة الغالبية بدل توجيهها لخدمة مصالح الأقلية .
إن حزب اليسار الاشتراكي الموحد يعتبر أن برنامجا وطنيا لتأهيل الاقتصاد الوطني اختيار واقعي ممكن الإنجاز يستجيب لمصالح الأطراف الأساسية في المجتمع المغربي .
    إن البرنامج الوطني لتأهيل الاقتصاد الوطني الذي نشير إلى محاوره الرئيسية في هذه الوثيقة ، يتجاوب مع الرغبة الملحة من طرف المؤسسة الملكية في تجنيب المغرب خطر سكتة قلبية تهدده رسميا منذ بداية العقد الماضي ويجيب على طموح الرأسمال الوطني إلى تنمية قدراته التنافسية ومناعته أمام تحديات الانفتاح التام المفروض على اقتصادنا الوطني .
    ويستجيب أيضا لتطلعات أوسع الفئات الشعبية المتطلعة إلى تحقيق مقومات العيش الكريم المستقر والقضاء على الفساد وتبذير الموارد العمومية وإهدار الطاقات وتعطيلها وتدمير البيئة .
إن برنامج الإنقاذ والتأهيل الاقتصادي كما يطرح حزب اليسار الاشتراكي الموحد يشكل أرضية تحقق التوافق المطلوب من أجل تقدم المغرب بين الدولة والمجتمع ، بين الإدارة والمنتجين والمواطنين بشكل عام ، بين القطاع العام والقطاع الخاص ، بين المقاولة ومحيطها ، بين الرأسمال المنتج والعمل ، بين التربية والتكوين والإنتاج ، بين النشاط الإنساني والمجال توافق لا يلغي تناقض المصالح وتباين الأولويات.
و ينبني البرنامج الاقتصادي لحزب اليسار الاشتراكي الموحد على الأسس الرئيسية التالية:
أولا : سيادة القانون وسموه وسريان مفعول القوانين التي تنظم وتؤطر النشاط الاقتصادي على الجميع مهما كان موقعهم ونفوذهم وجاههم وقربهم أو بعدهم عن مراكز السلطة والقرار .
ثانيا : اعتماد مبدأ المحاسبة على كافة المسؤوليات المتعلقة بتدبير أو مراقبة النشاط الاقتصادي وعلى الخصوص ، خضوع الحكومة وكافة دواليبها لمراقبة ومحاسبة الجهاز التشريعي والقضائي ، وخضوع الإدارة العمومية وإدارة المؤسسات والصناديق العمومية لتوجيه وسلطة الجهاز التنفيذي وتمكين المواطنين من وسائل متابعة ومراقبة القرار العمومي ومن آليات التظلم والمساءلة .
ثالثا : احترام مبدأ الفصل التام والواضح بين مهام التعيين في المسؤوليات العمومية التي قد ترتبط باعتبارات سيادية وما بين وظائف وصلاحيات التدبير من جهة ومهام وصلاحيات المراقبة ومن جهة ثانية ومهام وصلاحيات التقنين والتنظيم من جهة ثالثة حتى يحفظ حق كل المؤسسات الدستورية في ممارسة صلاحياتها ويحفظ حق المواطنين في متابعة تدبير الشأن العام .
رابعا : احترام مبدأ سمو المصلحة العامة و متطلباتها على ماعداها من المصالح والامتيازات الفئوية ، بما يعني توجيه الأدوات والموارد والمؤسسات العمومية لخدمة الصالح العام المشترك كما تحدده المؤسسات التي تشرع باسم المواطنين أو تلك التي تنفذ اختياراتهم سواء على مستوى الإنجاز أو التقنين أو المراقبة .
ويمكن تحديد المحاور الرئيسية للبرنامج الاقتصادي لحزب اليسار الاشتراكي الموحد كالتالي :
أ ) إعادة الاعتبار لدور الدولة كموجه استراتيجي للاقتصاد الوطني :
        حيث تحدد مؤسسات الدولة الأولويات الوطنية والقطاعية والمجالية وتسطر استراتيجية التنمية وتتابع تنفيذها. .إن قيام الدولة بمسؤولية الموجه الإستراتيجي يتطلب القطع مع منطق المحافظة على التوازنات المالية لصالح سياسة اقتصادية إرادية تهدف إلى تحقيق أهداف النهوض بالاقتصاد الوطني والمحافظة على مقوماته ، تنمية قدراته التنافسية والحفاظ على التوازنات الاجتماعية والقيام بمهام توفير المرافق والبنيات التحتية .
وفي هذا الإطار من اللازم أن تخضع كافة مؤسسات القطاع العام لسلطة الحكومة تحت مراقبة البرلمان.
ب – نحو بناء اقتصاد مختلط مبني على سياسة التعاقد:
       إن المفهوم الشامل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يجب أن يقوم على أسس جديدة محورها وهدفها الإنسان المغربي في إطار اقتصاد وطني له من القدرة و المناعة ما يجعله مؤهلا لتجديد هياكله وعصرنتها وضمان إمكانية التفاعل مع التحولات السريعة التي يعرفها العالم .
على هذا المستوى يكون لكل من الدولة والقطاع الخاص دورهما الأساسي في تنفيذ البرامج التنموية المطروحة على بلادنا ، على أن يكون للدولة دورا مركزيا في مسألة التنمية الشاملة باعتبارها محركا استراتيجيا للاقتصاد الوطني وضمانا للتوازنات الاجتماعية والجهوية والقطاعية. و يمكن تحديد دور الدولة الاقتصادي بشكل أدق في :
–          تسهيل تحديث و تجديد البنيات الإنتاجية  عبر إعادة تنظيم و توحيد بنيات الملكية العقارية وتنظيم وتحديث القطاعات الإنتاجية وتنظيم قطاعات التجارة والخدمات للقضاء على المضاربة والاحتكار والتهريب.
–          إعادة هيكلة النسيج الإنتاجي عبر إعادة النظر في الأولويات القطاعية وذلك بتشجيع الصناعات المتجهة نحو امتلاك التكنولوجيا بهدف تنمية القيمة المضافة محليا وسن سياسة صناعية تستهدف تقوية وتكثيف الروابط العضوية بين القطاعات المختلفة وتعتمد على توفر المغرب على العنصر البشري كرافعة استراتيجية لتنمية الاقتصاد .
 من جانب آخر، يجب اعتبار المقاولة الخاصة كإحدى الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. مما يفترض التعامل معها كخلية تتضافر الجهود  لتأهيلها وعصرنتها والرفع من إنتاجيتها مما يتطلب :
–          خلق تجارب نموذجية على مستوى الجهات الاقتصادية عبر إنشاء مجموعات
صناعية–عليمة تتضافر فيها جهود المقاولة الخاصة بالاستثمار العمومي       ومراكز البحث العلمي و بعلاقة مع المؤسسات التمثيلية المحلية
–          توفير الشروط الملائمة للمستثمرين وذلك من خلال تبسيط المساطر الإدارية ، واتخاذ تدابير جبائية مشجعة للاستثمارات المنتجة والخالقة لمناصب شغل جديدة وقارة وتسهيلات على مستوى استيراد التقنيات والتجهيزات والموارد الضرورية .
–          إصلاح القطاع البنكي سيما نحو قيامه بدوره كاملا في تمويل الاستثمارات المنتجة بأسعار فائدة معقولة .
–          توفير البنيات التحتية الأساسية في مناطق صناعية مجهزة بأثمنة مشجعة بعيدا عن المضاربات العقارية
كما يجب إقرار سياسة تعاقدية بين مكونات الاقتصاد الوطني من قطاع عام وقطاع خاص وجماعات محلية ومؤسسات التكوين والبحث .. تكفل لكل مكون حقوقه وواجباته وتحدد مقاييس التعامل فيما بينها وبين الرأسمال الدولي على أساس شراكة واضحة المعالم. وهكذا يمكن ضمان تفاعل إيجابي بين جميع المكونات.   
ت –  من أجل اقتصاد متضامن فعال :
       لا أحد ينكر الدور الذي أصبحت تلعبه فعاليات المجتمع المدني والجمعيات والمنظمات الغير الحكومية.. في الحياة الاجتماعية للمواطنين . وعليه وجب تشجيع وتحفيز مكونات المجتمع المدني بإقامة شراكات مع الجماعات المحلية والإدارات الجهوية من أجل تأطير وتنظيم و مساعدة الموطنين الأقل حظا في خلق وحدات إنتاجية تضمن لهم تحقيق المستوى الأدنى من العيش الكريم و تنقذهم من التهميش. كما يجب تشجيع المجتمع المدني كي يساهم في الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية للمواطنين.