متى يخرج الحزب عن صمته في المسألة النقابية؟-

2018-09-02T09:48:31+01:00
2019-04-04T16:24:05+01:00
الرأيغير مصنف
المحرر2 سبتمبر 2018آخر تحديث : منذ سنتين
متى يخرج الحزب عن صمته في المسألة النقابية؟-
مصطلح “الديمقراطية” اصبح يتردد على ألسنتنا ومسامعنا كثيرا كيساريين طامحين في الملكية البرلمانية الحقة، وربط المحاسبة بالمسؤولية…إلى آخره من الشعارات الرنانة والخطابات التي تساوينا فيها مع غيرنا من الأحزاب الليبرالية والإدارية وحتى المتأسلمة، بل وحتى أصحاب القرار واللوبيات المنفردة بالحكم والتي تتحكم في اقتصاد المغرب طاعة للرأسمالية الإمبريالية حسب ما تمليه تقارير البنك الدولي والقوى الاستعمارية الكبرى، مما يترك الباب مفتوحا لعودة النضال العمالي وحربه الشريفة في مواجهة جشع الطبقة البورجوازية، خاصة وأن الظروف جد ناضجة في ظل ما يعرفه المشهد المغربي من ردة في جميع المستويات، والتاريخ يشهد أنه كلما أحكم الاستبداد قبضته على الكادحين، إلا وانتفضت الطبقات الشعبية من جراء القهر والاستعباد.
إنها كوميديا العصر الجديد بالمغرب، عهد جديد على جميع المستويات، في جميع المؤسسات والتنظيمات السياسية وخصوصا التقدمية ( باستثناء الحركات الرجعية التي بقيت على الأقل على حالها مواقفها وأفكارها لم تتزحزح ليس بطولة منها ولكن لأنها أبدا لن تتقدم) وكأن مفهوم”الجديد” أصبح موضة عند الكل سواء بشكل إرادي أو لا، المهم أنه تم جنبا إلى جنب بموازاة “الراعي الأول للتيار الجديد”، بدءا بالتجربة الاتحادية الأولى في الحكومة وكيف تباينت كثيرا عن الولاية الثانية في عهدها الجديد، تجربتان كانتا بداية التدهور النقابي( خاصة التجربة النقابية اليسارية التي تميزت عن غيرها لعقود وشكلت عبر تاريخها القصير رقما مهما في معادلة صراع الطبقة العاملة مع الباطرونا والبورجوازية المتوحشة)، مشكلة بحق ملامح العهد الجديد، بدءا بتوقيع الاتفاقية المشؤومة في فاتح غشت 1996، ومرورا بالسلم الاجتماعي و توقيع اتفاق 30 أبريل ،2002 وتوقيع مدونة الشغل التي أرجعت العمال إلى عهد العبودية وشرعنت استغلالهم، ووصولا إلى اتفاق 26 أبريل 2011 الذي أجهض حراك 20 فبراير وباع أمل الشعب المغربي مقابل رشوة بخسة، اتضحت معه معالم جديدة في توجه النقابة اليسارية التي أصبحت “إصلاحية” (تنامي مفهوم النضال الإصلاحي داخل النقابة قصد الوصول إلى المؤسسات الرسمية: المجالس الجهوية والغرفة الثانية وحاليا المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومستقبلا لا ندري…) لا تبتعد عن المفهوم الليبرالي والانحياز إلى صف البورجوازية، لم لا والزعامة النقابية في يد بورجوازية بيروقراطية ظلت كامنة وخفية أعمتنا عن رؤيتها غشاوة التاريخ المشرف للصف التقدمي الذي تسترت به، فكيف نطالب غيرنا بالنزول عن الكرسي الذهبي ونحن أشرس المتشبثين بكراسي الخشب، نطالب غيرنا بالممارسة الديمقراطية ونحن نفتقر إليها في أجهزتنا الداخلية، بل ونكرس البيروقراطية والزعاماتية ونحن نرفض علاقة الشيخ والمريد في فكرنا ونقاشاتنا (حالة من الفوضى الفكرية والانفصام المرضي)، نطالب ونطالب بأشياء لا نمتلكها بعد ولا نعرف منها إلا التسمية.
إن ما جرى ولا يزال يجري في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل كمركزية نقابية قادت النضال العمالي لسنوات ونجحت إلى حد ما في إشعال فتيل العديد من الثورات العمالية تكللت بانتزاع مجموعة من المكتسبات رغم بساطتها،خاصة عندما نتحدث عن قياداتها البيروقراطية التي لم تتغير يوما، سوى على مستوى بضعة أشخاص محسوبين على المكونات اليسارية الهامشية والذين يحصلون على التمثيلية الشرفية بالأجهزة الداخلية إما عن طريق “الكوطا” أو “التعيين” في خرق سافر لأدنى مبادئ الديمقراطية، وما يروج عن تسجيل أصول النقابة وممتلكاتها في اسم المتربع على عرشها، و تبقى هذه الإشاعة أقرب إلى الصحة حيث لم يتم إثبات العكس بالحجة القاطعة، ناهيك عن عدم وضوح ماليتها وما إلى ذلك من ممارسات ديكتاتورية في حق قاعدتها والاستهتار بنضالاتها الطلائعية وتغييبها من حساباتها في تواطؤ مكشوف مع المخزن وأجهزة الدولة (خاصة ما حصل مع مناضلي كل من بوعرفة و ورزازات وعمال مناجم إميضر وما يعانونه من متابعات قضائية وطرد وتشريد..)، زد على ذلك كل ما ذكرناه سالفا من تنازلات ومساومات على حساب الطبقة العاملة في شكل اتفاقيات مشؤومة، مسلسل من البيع لا زلنا نعيش أحداثه في ظل الحكومة الرجعية الحالية، إن لم يكن عن طريق توقيع الاتفاقيات فعن طريق الصمت والخنوع…كل ذلك يفسر الهوة الكبيرة بين القاعدة وسدة القيادة، وهنا يثبت التاريخ مرة أخرى أن القيادات البورجوازية ليست قادرة على قيادة نضالات الشغيلة والطبقة العاملة وإلى جانبها الفلاحين وعموم الكادحين في مواجهة الخطر الرأسمالي المتزايد، حفاظا على مصالحها كطبقة بورجوازية، ليبرالية في ممارساتها، يسارية في خطاباتها، إنها خطابات الاسترزاق في مسرحية “الله يجيبكم على خير..”، يلعب فيها الأوفياء للنضال القديم الجديد أدوار “الكومبارس”، أدوار ثانوية لكنها مهمة و وازنة لتصوير عظمة المشهد وتحقيق أرباح طائلة.
إن وعينا كحزب يساري متميز في الساحة السياسية المغربية، من حيث مواقفنا ومبادئنا وتعاقداتنا مع الطبقات الشعبية، يقتضي منا إعادة النظر في تحالفاتنا واختياراتنا الاستراتيجية. التحالف مع “هؤلاء” هو تحالف مع كل منبوذ مكروه ومذموم حرام في قيمنا ومبادئنا، تحالف مع عكس ما نؤمن به، قد يؤدي إن عاجلا أو آجلا إلى هدم بيت يساري لا زال يحافظ على رونقه الذي تشكل بريشة الاختلاف والتنوع وحرية الرأي و التعبير ونبذ الزعاماتية، التي لن تجدها في أي من تلك البيوت..اختلاطنا بهم لن يجر علينا إلا سخط الطبقات الشعبية التي وثقت بنا كيسار والتي ارتبط مشروعنا في التغيير بها وبمصالحها..الطبقة العاملة وحلفاؤها، تلك التي لم نستطع إلى اليوم استقطابها إلى صفوفنا بسبب طبيعة تركيبتنا الطبقية التي تتكون في أغلبها من البورجوازية الصغرى.
إن المنطق والمصلحة العامة يقتضيان منا العمل على كسب ثقة العمال والكادحين، لا التكالب عليهم مع غيرنا وتقديم التنازلات تلو الأخرى بنية تجميع اليسار، حلم سينسينا غاية وجودنا، وجود لن يتحقق إلا بحسمنا في قضايا العمال والفلاحين والكادحين وعلى رأسها عودة النقابة اليسارية بحمولاتها وميولاتها الثورية، وجعلها مدخلا لكل تفاوض و تحالف. وبالحديث عن تجميع أقطاب اليسار المغربي أتساءل لماذا لم يجتهد الاشتراكي الموحد في تجميع مناضليه النقابيين تحت لواء مركزية نقابية واحدة ( الكونفدرالية الديمقراطية للشغل باعتبارها محسوبة على الصف اليساري تأسست في ظل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبالتالي تعتبر ملكا لجميع الأحزاب والحركات اليسارية المنشقة عنه ومن ضمنها الاشتراكي الموحد، ولا يمكن لأي مكون أن ينسبها لنفسه دون غيره)، هل هي الحرية فعلا أم الانفلات والعصيان وعدم احترام الحزب كمؤسسة والانضباط إلى مقرراته التي تتخذ بشكل ديمقراطي، فغريب على مناضلي حزبنا أنهم يفصلون بين السياسي والنقابي، هل نسوا طبيعة حزبهم وما يدعو إليه، أم تناسوا مواقفهم تجاه الأحزاب الحكومية والليبرالية التي يشتغلون في نقاباتها..ألم يتساءلوا عن مشروعها، أم أنها المناصب والمقاعد، أم فضلوا التستر بها بعيدا عن أنظار رفاقهم ليشبعوا رغباتهم وأطماعهم..أم أن للحزب وأجهزته العليا نية خفية أو يد عليا دفعته إلى الصمت والتسليم بالأمر الواقع، خاصة بعد ما وقع في المؤتمر الخامس للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وما وقع بعده وظهور حركة 17 ماي أو الصف الديمقراطي، تسمية أصبحت موضة كل انشقاق، على منوال ما حدث في الاتحاد المغربي للشغل، وكأنه سباق نحو التسلح ومحاولة الحصول على مكان ومنصب قبل فوات الأوان، فلا زلت أذكر الصمت الذي ساد قاعة المؤتمر( الخامس) بعد اقتراح الشيخ الأموي من طرف زبانيته لولاية أخرى، ولحظة تمرير التقرير المالي لنقابة عتيدة لم يرق إلى تقرير جمعية من الجمعيات الصغيرة غير المسموعة، والظروف التي مر بها المؤتمر، كل الشروط كانت جاهزة لرفع الصوت و وقول لا في وجه البيروقراطية، فرصة ضاعت علينا للتكتل والضغط من داخل المؤتمر انسجاما مع الذات لإبقائه مفتوحا أو مقاطعته، وليتدخل الحزب ويلعب دوره كمؤسسة وكمكون قائم بذاته، فنحن لسنا ضيوفا عندهم، لكن سرعان ما بادر المتملقون إلى كسب رضا الزعيم بعدما ضمنوا كرسيا في هامش المكتب التنفيذي، والمخزي أن يكون لمثلهم مرة أخرى منصب في مكتبنا السياسي، وبعد أيام ينعقد المجلس الكونفدرالي وتصدر لائحة التعيينات في المناصب، فيرضى البعض ويبارك ويثور من لم يرد اسمه فيها، المهم وقع ما وقع، لكن الحزب يتحمل مسؤوليته الكبيرة في ذلك، فقبل أي مؤتمر للإطارات الجماهيرية التي نتواجد بها من الفروض أن يصدر توجيه عن الحزب كمؤسسة لعقد لقاء أولي للتدارس والتداول وتبني موقف موحد يعكس وحدتنا تحت لواء التنظيم، ولما لا عبر لجنة خاصة بالشأن العمالي والجماهيري تعرض تقاريرها على المجلس الوطني وتلتزم بمقرراته..العمل على مأسسة الحزب…
كيف سيشتغل رفاقنا في ما سموه بالصف الديمقراطي إلى جانب أعداء 20 فبراير وأصدقاء الفساد والاستبداد، واليمينيين الجدد؟ لا أتطلع هنا إلى الإجابة على السؤال، بل أتوسل ألا ينسوا من هم، لا ألومكم رفاقي حيث أدرك أن من بينكم من يمتلك حسن النية، فكلنا نعاني الأمرين.
العودة بالنقابة إلى ما كانت عليه مسؤولية جميع المناضلات والمناضلين وفي مقدمتهم مؤسسة الحزب،
والصمت عن سقوطها جريمة تاريخية وخيانة لقضية الطبقة العاملة وعموم الطبقات الشعبية، فإذا فشلنا تاريخيا كيسار في بناء حزب سياسي مستقل لها كحليف استراتيجي لتحقيق مشروعنا وبلوغ غايتنا، فلنساهم على الأقل في إعادة بناء صرح نقابي كفاحي ديمقراطي، إن لم نستطع مواجهة ذواتنا ومن نعتبرهم تاريخيا الأقرب إلينا، فكيف نحلم بمواجهة غيرنا..فمتى يخرج الاشتراكي الموحد من صمته في المسألة النقابية؟

رابط مختصر