وثيقة العمل النقابي للمؤتمر الثاني لحزب اليسار الاشتراكي الموحد

المحرر11 سبتمبر 2011آخر تحديث : الأحد 5 مايو 2019 - 2:44 صباحًا
المحرر
أرشيف الوثائق
وثيقة العمل النقابي للمؤتمر الثاني لحزب اليسار الاشتراكي الموحد

إن التاريخ السياسي للمجتمعات عالميا يبين مدى أهمية النضال الاجتماعي كمستوى من مستويات الصراع الطبقي من أجل انتزاع بعض المطالب المادية والديمقراطية وتنظيم المأجورين ضمن حركة نضالية شمولية موجهة ضد سيطرة الرأسمال بهدف قامة نظام سياسي يستجيب لطموحات وتطلعات الشعوب.

لذلك لاغرابة في ارتباط الحركات الاشتراكية والتنظيمات اليسارية تاريخيا بالحركات العمالية-وهو نفس الالتحام الذي كان بين الطبقة العاملة المغربية والحركة الوطنية- إذ لم يفصل فيه النضال من أجل المطالبة المادية والمعنوية عن النضال من أجل استقلال البلد.

واليسار الاشتراكي الموحد المنحاز لخلق الطبقة العاملة وقيمها تعاطي مع المسألة النقابية باعتبارها قضية مركزية تستدعي قراءة عميقة تستوعب التحولات العالمية والإشكاليات المترتبة عنها بالعلاقة بالوضع السياسي المغربي ودور الحزب في الصراع الاجتماعي كواجهة من واجهات النضال لتحقيق الانتقال الديمقراطي في أفق إقامة المجتمع الاشتراكي.

1 التحولات العالمية وأثرها الاجتماعي والنقابي:

عرف العالم تحولات عميقة خلفت أثرها على المناحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إنها مرحلة من تاريخ النظام الرأسمالي يصطلح عليها بالعولمة أو النظام العالمي الجديد ذو القطب الوحيد.

يتميز هذا النظام اقتصاديا بهيمنة الشركات المتعددة الجنسيات التي تتحكم في 75 % من التجارة العالمية وبذلك أصبح الإنتاج العالمي مركز الاقتصاد دوليا واختراق الأسواق قصد تحويل العالم إلى سوق واحدة يطلق عليها البعض “ديكتاتورية السوق والعولمة” مستفيد من الدور الذي تلعبه “الأقمار الاصطناعية و شبكة الانترنيت و مختلف أشكال ثورة الاتصالات”.

وقد انعكست سياسة اللبرالية المتوحشة بشكل سلبي على المستوى الاجتماعي حيث يلاحظ الإجهاز على العديد من مكتسبات الطبقة العاملة على مستوى الأجور وتقلص الخدمات الاجتماعية وانتشار البطالة وأزمة صناديق التقاعد ويعتقد بعض الباحثين أن “القرن القادم سيكون هناك فقط 20% من السكان، الذين يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في سلام، أما النسبة الباقية 80% فتمثل السكان الفائضين عن الحاجة، الذين لن يمكنهم العيش إلا من خلال الإحسان و التبرعات وأعمال الخير”.

ففي ظل هذه التحولات ستجد اقتصاديات المجتمعات النامية نفسها أمام تنافسية غير متوازنة باسم الجودة وبالتالي الإفلاس والإغلاق التلقائي للمقاولات الوطنية مما يقود إلى التسريح وفقدان الشغل، ومنه تزداد الحاجة إلى النضال النقابي و دوره الريادي ضمن الحركات الاجتماعية لمواجهة هذا الزحف رغم الوضع التنظيمي المتسم بالتراجع إذ أن نسبة المنقبين تقل عن 13% (163 مليون منقبين من 1300 مليون عامل أجير). إن ” ديكتاتورية السوق العالمية” تقتضي تشكيل عولمة نقابية مضادة تعطي أهمية كبيرة للنضال التضامني ومرتبطا بالمنظمات الحقوقية لان الحقوق الديمقراطية تضمن الحق في الشغل وبالتالي الحق في التنظيم والإضراب دفاعا عن المطالب ومن أجل مجتمع بديل.

2- الوضع النقابي بالمغرب والإشكاليات:

أ لمحة تاريخية:

اتخذ النضال النقابي في مغرب الحماية بعدا سياسيا لأن المطالب التي رفعت كانت موجهة ضد المستغل المستعمر، فالأجور كانت مطبوعة بالتمييز بين العمال المغاربة والعمال الأجانب، وحق الحريات العامة كانت بالضرورة تعطي طابعا سياسيا للنضال النقابي مما ولد التحاما عضويا بين الفعل النقابي والفعل السياسي من خلال الحركة الوطنية، ويبرز هذا الارتباط وتأثيره من خلال الإشعاع الذي عرفه حزب الاستقلال بعد هيمنة النقابيين المغاربة على.G.T. C ابتداء من سنة 1951 ثم تأثر التنظيم النقابي بالصراع السياسي داخل هذا الحزب الذي تولد عنه ميلاد الاتحاد المغربي للشغل U.M.T بتاريخ 20 مارس 1955 الذي سيعرف صراعا بدوره بين جناحين بعد ميلاد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959، هذا الصراع النقابي الذي سيحسم بدوره ميلاد ثاني نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب U.G.T.M بتاريخ 20 مارس 1969.

وعلى اثر الصراع الحزبي داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي سيقود إلى تأسيس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975 بادر بدوره إلى تأسيس ” الكونفدرالية الديمقراطية للشغل C.D.T ” في نونبر 1978 التي ستنشق عنها ” الفدرالية الديمقراطية للشغل F.D.T ” بعد الصراع الحزبي الذي تمخض عنه أيضا ميلاد المؤتمر الوطني الاتحادي. يمكن القول أن هذا الارتباط بين الحركة النقابية و الحركة الوطنية في ظل الاستعمار خلف إرثا تولدت عنه ظاهرة تحزيب النقابات، إذ أن كل حزب يراهن على تأسيس نقابة له لتوظيف الصراع الاجتماعي قصد تقوية الموقع السياسي للحزب، ومن هنا الظاهرة الشاذة للانشقاقات وتعدد النقابات.

ب المشهد النقابي الراهن:

يتميز المشهد النقابي الراهن بظاهرة التعدد المحكومة بها جس التحزيب وترديد نفس الخطاب إلى حد تمييع المشهد وتوليد حيرة مطبوعة بالالتباس والتشكيك لدى الشغيلة المغربية، وضع كانت من نتائجه إضعاف كبريات النقابات تنظيميا رغم النتائج المحصل عليها في انتخابات اللجان الثنائية التي أكدت تمثيلية هذه النقابات.

إن الحكم السياسي بالمغرب راهن تاريخيا على تفتيت الوحدة النقابية وفك ارتباطها بالقوى الديمقراطية واليسارية مما جعل الوضع الحالي يتسم بالتشتت كما هو إن ظاهرة اللجن الفئوية تعبر عن جزء من الأزمة النقابية مما يستدعي استيعاب المطالب الفئوية وإعادة هيكلة البنية التنظيمية وإستراتيجية التأطير لتكون الإطارات النقابية معبرا عن مشاكل وتطلعات الفئات لكي لا تكون مضطرة إلى البحث عن بدائل من تبعاتها المساهمة في إضعاف الحركة النقابية. إن اختلالات موازين القوى عمقت هجوم الباطرونا على الطبقة العاملة وللإجهاز على جزء من المكتسبات مسايرة منطق الرأسمالية العالمية المتوحشة.

ج-علاقة النقابي بالسياسي:

يطرح البعض نقاشا مغلوطا من منطلقاته تحت شعار فصل النقابي عن السياسي والحال أن النضال النقابي في عمقه نضال سياسي لان المطالب النقابية و الحقوقية موجهة ضد الرأسمالية وهي اليوم في أبعادها موجهة ضد العولمة المتوحشة، والحركة النقابية مطالبة أن تكون جزء من الحركات الاجتماعية الاحتجاجية بل الانخراط في ومن أجل وحدة نقابية كفاحية مقاومة وطنيا وعالميا لأن لا خيار غير هذا في ظل ” ديكتاتورية السوق” .

إن الاستقلالية ينبغي أن تكون ضد تحزيب العمل النقابي وعدم تحويله إلى ذيل للحزب أو منظمة موازية له لأن التجربة أكدت أن النزعة الالحاقية تساهم في إضعاف الفعل النقابي وتجميده في ظل التوافقات السياسيةالعلنية والخفية، والحال أن مساحة الحقل الاجتماعي في توسع وتدهور وتراجع وهو مرشح مستقبلا لوضع أسوأ، إن المسافة الفاصلة بين الحزبي و النقابي ضمانة له ليتطور ويتفاعل وفق ميكانزماته.

3 – رؤيتنا كحزب:

لم يتردد حزبنا في تقييم التجربة السياسية الحالية، إذ خلص إلى أن ما يسمى بالتناوب التوافقي أخفق في إخراج المغرب من أزمته البنيوية وأكد صواب الموقف المعبر عنه الداعي إلى اعتبار الإصلاحات السياسية والدستورية مدخلا لمعالجة المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، ومن هنا فزمن النضال لم ينته بل ضرورة ملحة لزرع الأمل في الشعب المغربي بعد خيبته في الحكومة السابقة والحالية، لذلك فاختيار الانتماء إلى اليسار هو اختيار لهويته الكفاحية، والوعي بأن مهام المشروع المجتمعي جسيمة قاد إلى وضع تصور لمسألة التحالفات المتداخلة مستوياتها لكن أولوية ميلاد تجمع يساري لها ملحاحيتها لان مكوناته تتقاسم العديد من المواقف التي من شأن النضال على أرضيتها أن تقوي هذا الإطار وبالتالي تعبئة الشعب المغربي للانخراط في معارك لإحداث تغيير في موازين القوى وفرض مطالب ديمقراطية تفتح آفاقا للنضال السياسي. وانسجاما مع هذا التوجه فالحاجة إلى حركة نقابية قوية ديمقراطية ومستقلة ذات مضمون حداثي تقطع مع الممارسة التقليدية والشخصانية وتمتلك مقومات الكفاح من أجل نضال اجتماعي في مطالبه وسياسي في أبعاده، ودون شك فإن ك.د.ش C.D.T تمتلك هذه المقومات وتضم نفس مكونات التجمع اليساري، إن الأمر يتطلب استثمار إمكانياتنا البشرية وكفاءاتنا النضالية التي راكمت تجربة ثرية من أجل استثمار هذا الرأسمال الرمزي وإقامة تعاقد مع كل الأطراف من أجل ضمان الاستقلالية بالمعنى المشار إليه وأيضا من أجل توسيع هامش الديمقراطية الداخلية.

ودون شك أيضا فإن بعض المناضلين والمناضلات منا راكموا تجربة غنية داخل ا.م.ش U.M.T ويحتلون مواقع في الأجهزة المحلية والجهوية والوطنية، ومن تم ينبغي استثمار هذه الإمكانيات من أ جل وحدة نضالية وابتكار كل أشكال التنسيق الممكنة لفرض المطالب العمالية ورد الاعتبار للمضمون الحقيقي للحوارات الاجتماعية.

إن الحركة النقابية مطالبة بتأهيل ذاتها تنظيميا وبرنامجيا للأدوار الموكولة إليها في المستقبل وهذا يستدعي تكوين أطر في مستوى تدبير الملفات وتأطير حركات احتجاجية ومطلبية برؤية واسعة الأفق مستقرئة المناخ العام في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية. ومن تم دور الحزب في إبراز طاقات أطره لتلعب الدور المنتظر منها دون تحويلها إلى أدوات للتنفيذ الميكانيكي لتوجيهاته لان سرعة التحولات العالمية وما يصاحبها من هجوم زاحف يولد حركة اجتماعية احتجاجية تقطع موضوعيا مع ظاهرة التحزيب وإلا اختارت أن تكون أي شيء إلا أن تكون حركة نقابية.